أبي طالب المكي

124

علم القلوب

حفظ حرمة لا تصلح للمطاع ، ولا يستوجب بها الثواب ، وذلك لأن [ عدم ] حفظ الحرمة الاستخفاف ، والمستخف ينتظر المطاع كل يوم وإلا بار ؛ لأنه صاحب الإصرار ، ولا يعلم أنه صاحب الإصرار بعد طاعته ، وهي معصيته مردودة . يا أخي ، وأنت لو رأيت صاحب الحرمة ، لرأيته ساكتا ، ساكنا ، موعوظا ، واعظا ، فانيا عن غيره باقيا به ، خاشعا له ، راغبا فيه ، راهبا منه ، منكس الرأس ، منكسر الحواس ، هائم القلب ، طائر اللب ، قائما بين يدي الرب ، إذا قام للعبودية قام ، كأن العذاب فوق رأسه ، وإن جلس كأن النار بين عينيه ، وإذا أقبل كأنه راجع من دفن والديه ، وإذا أدبر كأنه يهرب من الأسد كيلا يصل إليه ، وإن أكل كأنه صاحب أسقام ، وإذا تكلم كأنه قاتل إخوة وأعمام ، وإذا عوتب في حاله قال لهم : وعليكم السلام ، وإذا رآه أهل العلم بادروا إليه ، معظمين له بالقيام ، وإذا رآه أهل الجهل والحماقة رموه بالمدر والعظام ، وإذا رآه المنافق كاد يذوب في مكانه ؛ لما فيه من غلبة الحسد وقوة أكل الحرام ، وهكذا حكى في الأخبار عن الحسن البصري ، رحمه اللّه ، أنه كذلك كان خلقه . الآية السابعة قوله عز وجل : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [ الشورى : 11 ] ، روى عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « يجمع اللّه الأولين والآخرين يوم القيامة في صعيد واحد ، ويأتي اللّه في ظلل الغمام ، ثم يناديهم : معاشر الناس ، أليس من العدل من ربكم الذي خلقكم ، وأحسن إليكم ، ورزقكم ، ثم عبدتم غيره ، أن يولى كل قوم ما كانوا يعبدون ؟ فيقولون : نعم ربنا ، فيرفع لهم تمثال صنم ، وتمثال كل وثن ، ثم ينادى مناد : ألا ليلحق كل قوم بآلهتهم وما كانوا يعبدون ، فلا يبقى أحد كان يعبد من دون اللّه شيئا إلا تبعوه حتى يقذف بهم في النار ، وأبقى أنا وأمتي ، فيقول : ما [ ل ] هؤلاء لا يتحركون ؟ » . وفي رواية : « فيبقى المسلمون والمنافقون ، فيقال لهم : ألا تذهبون وقد ذهب الناس ؟ فيقولون : حتى يأتي ربنا ، فيقول : هل بينكم وبين ربكم من آية تعرفونها ؟ فيقولون : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ، [ ف ] يتجلى لهم بوصف يعرفون [ به ] أنه ربهم ، فيخرون له سجدا ، ويقع كل منافق على ظهره ، ويجعل اللّه أصلابهم كالصياصي ، صياصي البقر » .